ثقافة المسرحي نور الدين الورغي: حزب اليسار الكبير الذي حلم به شكري بلعيد مازال لم ير النور واستقالة المثقفين عن الشأن العام قاتلة
حدّثنا المسرحي نور الدين الورغي الذي التقيناه بساحة حقوق الانسان على هامش احياء الذكرى التاسعة لاغتيال الشهيد شكري بلعيد عن بعض الذكريات التي جمعته بالراحل وعن نظرته للدور الذي يجب ان يلعبه المثقف فضلا عن حزب اليسار الكبير الذي حلم به الشهيد ولم ير النور الى الان فضلا عن دور المثقف والمخاوف من استقالته عن الشأن العام.
في البداية استحضر الورغي لقاءاته الاخيرة بالفقيد حيث كان شكري بلعيد يزوره في دار بن عبد الله بالمدينة العتيقة اين كانت تُنتظم بعض الاجتماعات. وقال الورغي: "تحادثت مع شكري في سياق الفكر الماركسي حول التناقضات الثانوية والتناقض الرئيسي.. اذ يفرض علينا الواقع في تونس ان نترك التناقضات الثانوية على جانب وان نتوّحد حول التناقض الرئيسي او العدو الاساسي الا وهو حركة النهضة.. وكان مفاد حديثنا انه يجب تأسيس جبهة مبنية على التناقض الرئيسي تسمح بتجاوز الخطر المحدق، اثر ذلك تعود التيارات الفكرية المختلفة الى مسألة التناقضات الثانوية. شكري دعا لتأسيس جبهة ثقافية تشكل حصنا ضد كل اشكال التطرف.. في فرنسا مثلا، أسسوا في منتصف الثلاثينات جبهة ثقافية ضد الفاشية.. في تونس اليوم، نسجل استقالة المثقفين عن الشأن العام، وهي استقالة قاتلة.. المشكل يكمن ايضا في تشبث كل طرف بأفكاره معتقدا انها الافكار الوحيدة المثلى"..

واضاف محدثنا قائلا: "في اختتام ايام قرطاج المسرحية توّجهت لقيس سعيد لأقول له انك لن تقدر على حل اي مشكل في تونس الا بالثقافة والفن والابداع.. الرئيس الفرنسي دوقول سمى انذاك المثقف اندري مالرو وزيرا للثقافة.. فالبلدان ليست بدباباتها وطائراتها وسلاحها بل البلدان بمثقفيها ومبدعيها وفنانيها الذين يتركون اثرهم بابداعهم وحراكهم الفكري ودفاعهم عن القضايا العادلة.. فاذا كان السياسي مسنودا بالمثقفين، فسيكون دون شك محل تقدير واحترام".
وواصل الورغي فكرته كالاتي: "كلمة 3 الاف سنة حضارة اصبحت تزعجني، فلنتحرك في الهنا والان، فالحصن الوحيد ضد الارهاب ومختلف التجاوزات هي الثقافة.. مع الاسف رئيس الجمهورية لا يولي الثقافة المكانة التي تستحقها.. قابلت شكري بلعيد 3 او 4 ايام قبل اغتياله قرب باب بحر وتحادثنا عن الجبهة الثقافية، وقال لي "تمشوش تنساو صالح الفرزيط والهادي حبوبة"! قلت له كيف ذالك؟ فأجابني: "انتم تكتبون الشعر وتستنهضون همم الناس ، فلتتصور ان يغني قصائدك حبوبة او الفرزيط، فسيكون هذا او ذاك حاملا لهذا الفكر وهذه الرسالة".. شكري بلعيد كان شاعرا ومتضلعا في الفلسفة الاسلامية، ويدرك جيدا دور الثقافة في الثورات ومايعقبها من تجاذبات.. نشوة 14 جانفي ذهبت وفقدناها بسبب المصائب التي حلّت بالبلاد.. يسكنني ألم الاشياء التي فشلنا في تحقيقها، والعديدون مثلي متألمون من سريالية الاحداث التي عشناها.. شكري بلعيد قبل ان يرحل نادي ببناء حزب اليسار الكبير، فأين هو؟ هل من الضروري ان يكون هذا الحزب شيوعيا؟ لا قطعا.. ما اعنيه هو يسار بقيّمه وبنضاله من اجل العدالة والمساواة... الانشقاقات التي نراها في اليسار التونسي اليوم تشبه الكذب، لصالح من هذا؟ ببساطة لصالح الرجعية".

اليوم تتلّخص افاق الشاب التونسي في ثلاثة وجهات: اما "غبار" او "حارق" او "داعشي".. أي كارثة حلّت بنا اكثر من هذه؟
دائما في سياق دور الثقافة في تغيير واقع الشعوب، قال نور الدين الورغي: "اؤمن انّ هذا البلد لن يتغير من دون ثقافة، من دون الدور الذي يمكن ان يلعبه مثقفوها ومبدعوها.. مستحيل.. في الماضي كانت الجامعة التونسية منفتحة وكان هناك نوع من التلاحم بين الفكر التقدمي والجامعة.. توفيق بكار والقرمادي وغيرهما ممن ساهموا في هذا الحراك.. واليوم نجد الاستاذ الجامعي وكذلك استاذ الثانوي والمعلم يعانون، تم "تشليكهم".. بن علي هدّم التعليم لكي يتحكم في جيل جاهل وغبي.. واليوم تتلّخص افاق الشاب التونسي في ثلاثة وجهات: اما "غبار" او "حارق" او "داعشي".. أي كارثة حلّت بنا اكثر من هذه؟ اذا لم نراهن على الشباب فعلى من سنراهن؟ منذ بضعة ايام كتبت قصيدا قلت فيه: "الهفهوف طلّ علينا، قال انتوما اغرق مني".. الهفهوف الان اصبح خائفا منا لأننا بمثابة الهفهوف المخيف.. في الماضي، حتى المقاهي كانت فضاء للنقاش وللتبادل الفكري حول السينما والمسرح والشعر والفلسفة وغيرها.. وكنا نزعج السلطة.. اليوم نحن بحاجة الى الحوار، على قيس سعيد ان ينصت للمبدعين، ان يتعرف على احلامهم.. ميزانية وزارة الثقافة وحدها اكبر دليل على القيمة التي تعطيها الدولة لهذا الرافد الحيوي الذي لا يمكن الا ان نبكي على الحالة التي اضحى عليها.. في الخمسينات، كان في تونس 20 قاعة سينما، جندوبة كانت فيها قاعتي سينما احداهما كانت بسقف ينفتح على الفضاء الخارجي.. حاليا القاعتان مغلقتان واحداهما "دبو فحم". تونس "بلاد شبابة" وفيها من المبدعين والمفكرين ما نفخر به، غير انّ تحقير المثقف يدفعنا لأن "نموت بالغصّة" لا اخفي عليكم.. ومع هذا ابقى دائما متفائلا، فمن يعرف من من هذا الجيل سيواصل حمل المشعل؟

-كان بيد المسرحي نور الدين الورغي كتابان، وقد دفعنا الفضول لمعرفة عناونيهما، فكان الاول للينين حول الفن والادب اما الثاني فهو حول الادب الفرنسي منذ 68. وعلّق محدثنا قائلا ان العلاقة بين الفنانين والمبدعين وبين السياسي يجب ان تكون علاقة عضوية، وغير ذلك لن يحدث شيئ نستقرئ من خلاله خيرا.
شيراز بن مراد